محمد متولي الشعراوي

1350

تفسير الشعراوى

شريك ينازعه فيما يريد من خلقه ، وليس للّه شريك في الخلق ، وليس للّه شريك في الرزق ، وليس له شريك في التشريع . إذن . . فالجهة التي نستمد منها مقومات منهجنا هي جهة واحدة ، وكان من الممكن أن تظلم وتجور هذه الجهة الواحدة الخالقة على ما خلقت لأنه ليس لأحد من خلق اللّه حق على اللّه ، لكن اللّه سبحانه عادل ، إنه سبحانه يطمئننا ، فهذه الوحدانية بقدرتها وجبروتها وعلمها وحكمتها عادلة لا تظلم ؛ لأنه قال : مع أنى إله واحد ، لا يرد لي حكم ولا أمر فأنا قائم بالقسط . والقيام بالقسط يجب أن نتوقف عنده لنفهمه جيدا ، إن الحق يقول عن نفسه : « قائِماً بِالْقِسْطِ » وكلمة قائم تعنى أن اللّه قد خلقهم الخلق الأول ، وهذا الخلق إنما قام على العدل والقسط . وتكليف الحق للخلق قام على العدل والقسط . والعدل والقسط يقتضى ميزانا لا ترجح فيه كفة على كفة ، وهذا الميزان ممسوك بيد القدرة القاهرة التي لا توجد قوة أعلى منها تميل في الحكم ، والحق سبحانه قائم بالقسط في الخلق ، فقبل أن يخلقنا أعدّ لنا ما تتطلبه حياتنا بالقسط أيضا ، فلم يجعل أمر الحياة قائما على الأسباب التي يكلفنا بها لنعيش ، بل حكم بالقسط ، لقد جعل الحق بعضا من الأمور لا دخل لنا نحن العباد فيها ، ولم يقض الحق بذلك على حركتنا ولا على حريتنا في الحركة ، لذلك خلق لنا أسبابا إن شئنا أن نفعل بها وصلنا إلى المسببات ، وإن شئنا ألا نفعل فنترك الأسباب والمسببات . إذن . . فالحق سبحانه لم يحكمنا في قضية الخلق الأولى بشئ واحد ، بأن يجبرنا على كل شئ ، بل جبرنا بأنه - سبحانه - لم يدخل أسبابنا ولا حركتنا في كثير من الحركات التي تترتب عليها الحياة ، فلم يجعل الشمس بأيدينا ، ولا القمر ، ولا الريح ، ولا المطر . كل هذه الأسباب جعلها بيده هو ، لماذا ؟ لأن هذه الأسباب ستفعل للمخلوق قبل أن تكون له قدرة . هذه الأسباب تفعل للإنسان قبل أن توجد له حياة ؛ لتمهد للحياة التي يهبك اللّه إياها ، فلو ترك اللّه كل هذه الأشياء لأسباب الإنسان لتأخرت هذه الأشياء إلى أن يوجد للإنسان إرادة ، وتوجد له قدرة وعلم . لقد جعل اللّه أسباب الحياة بيده ، كالتنفس مثلا ، إن التنفس لا يخضع لإرادة القدرة على الحركة في الحياة ، ولكنه قال لك : أيها الإنسان - وهو سبحانه الإله القادر - تحرك